Abuaziz
01-18-2006, 09:56 AM
الشـائعـات.. كرات الثلج المدمرة
عبد الحميد العمري - 18/12/1426هـ
أي جهودٍ إصلاحية ستُبذل في معالجة القضايا المتعلقة بالتربية والتعليم والإعلام والاتصال دون تحقيق تقدمٍ حقيقي على طريق الشفافية الكاملة، سيذهب بكل جهودنا وطموحاتنا أدراج الرياح! بل قد يؤدي إلى توسيع الثغرات والاختلالات بصورةٍ مفزعة في النسـيج الثقافي العام، تكون فيه "الشـائعة" بما تحمله من دمار وهلاك، المحرّك الأول والعامل الأساس ـ بكل أسف - في تحديد القرارات والاتجاهات على المستويين الخاص والعام.
هل يعلم من يصنع ويبث الشائعات في المجتمع - بغض النظر عن أهدافه - عن حجم الدمار الذي يُمكن أن تُخلّفه وراءها تلك التلفيقات التي يتورّط في بناء قنبلتها؟! بالرغم من الهلاك الذي تسببت فيه وفقاً لما أظهرته التجارب السابقة؛ إلا أن أنانية التفكير في تحقيق المصالح الخاصة على حساب المصلحة العامّة تبدو أكبر من أن تُردع بالنصيحة والموعظة، وليس من رادعٍ حقيقي لتلك الجريمة الكبرى سوى العقاب الصارم الذي لا رجعة فيه! ولكن هل التفكير بإيقاع أقسى العقوبات بحق هذا المجرم كاف للقضاء على هذه الآفة الخطيرة؟ بالتأكيد أن هذا العلاج غير كافٍ.
في المقابل، حيث تتدحرج الشائعة كأنها كرة ثلجية صغيرة تتعملق بزيادة تدحرجها حتى تُطبق على آفاق المدينة أو المجتمع، نتساءل كيف تمكنت هذه الشائعة من شقِّ طريقها بهذه السهولة؟ كيف تم اختصار المسافة الزمنية والمكانية بين انفجارها الصغير على يد صانعها وبين ذلك الصدى المدوي الذي أحدثته في وسطٍ من ملايين البشر المتفاعلة أو المتأثرة؟. أدرك تماماً دور وسائل الإعلام والاتصال الحديثة الذي أسهم بفاعلية في سرعة استشراء الشائعات بين أفراد المجتمع، ولكن هل تتحمل تلك الوسائل الاتصالية والمعلوماتية المسؤولية، التي أُوجدت لخدمة أغراض ومتطلبات أخرى ترتبط بطبيعة المتغيرات الحياتية المعاصرة؟ هذا أمرٌ مفروغ منه قانونياً؛ فالمسؤولية تقع حتماً على المستخدم لا على الوسيلة، وإن كان هناك من يرى تحملها جزءاً من المسؤولية، إلا أن المسؤولية الكبرى تقع على المستخدم في الدرجة الأولى.
قيل فيما مضى "رب ضارةٍ نافعة"! وهي مقولةٌ ما زالت نافذة المفعول في الذهنية المجتمعية. إنها مقولةٌ تكشف عن عورة ثقافة بائسة وفقيرة، تفتقد إلى آليات النقد والمراجعة، ثقافةٌ لا تبادر بالفكر ولا بالفعل، بل تنتظر وقوع الكارثة ومن ثم تتحرك، وفي أغلب الأحيان وتحت وقْع الصدمة والمفاجأة يتم اتخاذ الخطوة الخطأ. أعتقد أن القوة الأساسية التي تدفع بسرعة اندلاع الشائعة كالنار في الهشيم تنبع من الضعف والهشاشة الكائنة في النسيج الثقافي للمجتمع! فبالرغم من أهمية إيجاد القانون والعقاب الرادع ووضعها في طريق صنّاع وناشري الشائعات، إلا أن أهمية تلك الخطوة لا تتقدم بأي حالٍ من الأحوال على ضرورة معالجة الخلل في الثقافة المجتمعية السائدة، وذلك بإعادة تأهيلها وتحصينها ضد أي اختراقات من أي نوعٍ كانت، هنا موضع الداء الذي يستوجب الدواء. لا يمكن لنا وفق الوضع الراهن أن نُضعف من التأثير المدمر للشائعات على مكتسباتنا ومصالحنا، إذ إن طريق المواجهة الحقيقية مع هذه الأخطار له بابٌ آخر، ينطلق من إصلاح الخلل الجاثم في جسد الثقافة العامّة، وهذا يتطلب بطبيعة الحال جهوداً مكثفة وواسعة النطاق. نقطة الانطلاق تبدأ من أروقة التربية والتعليم، ثم من وسائل الإعلام والاتصال المعاصرة، مع عدم إغفال مجالسنا العامّة والخاصة، تلك أهم المنافذ المُشكِّلة للثقافة السائدة في أي مجتمع، التي يجب معالجة أي اختلالات فيها يمكن أن تُفضي إلى نشوء هشاشةٍ في آلية التفكير لدى الأفراد. أعترف بأن مناقشة وبحث القضايا أعلاه، وتشخيص مشاكلها، واقتراح الحلول والتوصيات في مساحةٍ صغيرة هنا للرأي أمرٌ أقرب إلى المستحيل. غير أنه لا يمنع من الإشارة إلى عددٍ من المحاور الرئيسة؛ ففي مجال التربية والتعليم، آن لنا إصلاح الخلل الجوهري في ذلك المجال، بإحلال آليات التربية والتعليم القائمة على تأهيل العقول الناشئة إبداعاً وفكراً وتحمّلاً للمسؤولية، وإثراءً للجوانب العلمية والمعرفية، وترسيخاً لمبادئ الحوار المسؤول وإبداء الرأي والرأي المخالف، وفتح المجال أمام النقد البنّاء المستند إلى مرجعياتٍ عقلانية غير متحيزة أو متطرفة بين المعلمـة والطالبـة. كل ذلك يُدشن كبديلٍ ناجح للتلقين والحفظ والوصاية المتزمتة على العقول الناشئة وخلافه من آليات التعليم البائدة.
أما في مجال الإعلام والاتصال، فلا بد على العاملين في هذا المجال من مواكبة التغيرات الكبيرة في العمل الإعلامي، لعل من أبرز ما يجب القيام به في هذا الشأن هو تطوير قدرات العاملين في هذا المجال، واستقطاب الكفاءات العلمية المؤهلة والمتخصصة التي تثري العمل الإعلامي مهنياً، لا أن تتقاذف به في مهاوي الردى. إذ لم يعد مقبولاً على سبيل المثال أن يتصدّى للتحرير والتحليل المالي والاقتصادي أشخاص لا يمتلكون حتى أدنى المؤهلات في تلك المجالات المتخصصة، وقسْ على ذلك بقية المجالات الأخرى في المجال الإعلامي.
نقطة الانطلاق الثانية التي يُفترض تزامن انطلاقها مع الأولى؛ تتعلق بإرساء وتطبيق مبادئ الشفافية الكاملة على المستوى الهيكلي والمعلوماتي والقانوني والإجرائي وكل ما يتعلق بالشأن العام، وترسيخها بوضوحٍ وثقةٍ في جميع تعاملاتنا وعلاقاتنا العامّة. أؤكد هنا أن أهمية توطيد تطبيق أركان هذه القضية يصل إلى أقصى درجاتها، يمكن القول معها إن أي جهودٍ إصلاحية ستُبذل في معالجة القضايا المتعلقة بالتربية والتعليم والإعلام والاتصال السالفة الذكر أعلاه، دون تحقيق تقدمٍ حقيقي على طريق الشفافية الكاملة، سيذهب بكل جهودنا وطموحاتنا أدراج الرياح! بل قد يؤدي إلى توسيع الثغرات والاختلالات بصورةٍ مفزعة في النسـيج الثقافي العام، تكون فيه "الشـائعة" بما تحمله من دمار وهلاك، المحرّك الأول والعامل الأساسي ـ بكل أسف - في تحديد القرارات والاتجاهات على المستويين الخاص والعام. وليس بعيداً عن إدراك القارئ الكريم خطورة تلك التشوهات الكبيرة على هياكل حياتنا العامّة بمختلف مستوياتها؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
أؤكد في الختام، أن محاصرة خطر الشائعات في ظل التطورات المتسارعة بصورتها الراهنة، التي أصبحت تمسُّ مصالحنا العامّة والخاصة مباشرةً؛ يمثل في حقيقته واجبا ومطلبا وطنيا تقع مسؤوليته على كل فردٍ منّا لا يُستثنى منه أحد؛ مسؤولاً كان أم فرداً، وأن أي تأخير أو تباطؤ في هذا الخصوص، يعني تماماً أننا نُفسح الطريق لكرات الثلج المدمرة لتطبق على سماء وأرض مجتمعنا بالفساد والهلاك، فماذا نحن فاعلون؟! والله من وراء القصد.
عبد الحميد العمري
عضو جمعية الاقتصاد السعودية
عبد الحميد العمري - 18/12/1426هـ
أي جهودٍ إصلاحية ستُبذل في معالجة القضايا المتعلقة بالتربية والتعليم والإعلام والاتصال دون تحقيق تقدمٍ حقيقي على طريق الشفافية الكاملة، سيذهب بكل جهودنا وطموحاتنا أدراج الرياح! بل قد يؤدي إلى توسيع الثغرات والاختلالات بصورةٍ مفزعة في النسـيج الثقافي العام، تكون فيه "الشـائعة" بما تحمله من دمار وهلاك، المحرّك الأول والعامل الأساس ـ بكل أسف - في تحديد القرارات والاتجاهات على المستويين الخاص والعام.
هل يعلم من يصنع ويبث الشائعات في المجتمع - بغض النظر عن أهدافه - عن حجم الدمار الذي يُمكن أن تُخلّفه وراءها تلك التلفيقات التي يتورّط في بناء قنبلتها؟! بالرغم من الهلاك الذي تسببت فيه وفقاً لما أظهرته التجارب السابقة؛ إلا أن أنانية التفكير في تحقيق المصالح الخاصة على حساب المصلحة العامّة تبدو أكبر من أن تُردع بالنصيحة والموعظة، وليس من رادعٍ حقيقي لتلك الجريمة الكبرى سوى العقاب الصارم الذي لا رجعة فيه! ولكن هل التفكير بإيقاع أقسى العقوبات بحق هذا المجرم كاف للقضاء على هذه الآفة الخطيرة؟ بالتأكيد أن هذا العلاج غير كافٍ.
في المقابل، حيث تتدحرج الشائعة كأنها كرة ثلجية صغيرة تتعملق بزيادة تدحرجها حتى تُطبق على آفاق المدينة أو المجتمع، نتساءل كيف تمكنت هذه الشائعة من شقِّ طريقها بهذه السهولة؟ كيف تم اختصار المسافة الزمنية والمكانية بين انفجارها الصغير على يد صانعها وبين ذلك الصدى المدوي الذي أحدثته في وسطٍ من ملايين البشر المتفاعلة أو المتأثرة؟. أدرك تماماً دور وسائل الإعلام والاتصال الحديثة الذي أسهم بفاعلية في سرعة استشراء الشائعات بين أفراد المجتمع، ولكن هل تتحمل تلك الوسائل الاتصالية والمعلوماتية المسؤولية، التي أُوجدت لخدمة أغراض ومتطلبات أخرى ترتبط بطبيعة المتغيرات الحياتية المعاصرة؟ هذا أمرٌ مفروغ منه قانونياً؛ فالمسؤولية تقع حتماً على المستخدم لا على الوسيلة، وإن كان هناك من يرى تحملها جزءاً من المسؤولية، إلا أن المسؤولية الكبرى تقع على المستخدم في الدرجة الأولى.
قيل فيما مضى "رب ضارةٍ نافعة"! وهي مقولةٌ ما زالت نافذة المفعول في الذهنية المجتمعية. إنها مقولةٌ تكشف عن عورة ثقافة بائسة وفقيرة، تفتقد إلى آليات النقد والمراجعة، ثقافةٌ لا تبادر بالفكر ولا بالفعل، بل تنتظر وقوع الكارثة ومن ثم تتحرك، وفي أغلب الأحيان وتحت وقْع الصدمة والمفاجأة يتم اتخاذ الخطوة الخطأ. أعتقد أن القوة الأساسية التي تدفع بسرعة اندلاع الشائعة كالنار في الهشيم تنبع من الضعف والهشاشة الكائنة في النسيج الثقافي للمجتمع! فبالرغم من أهمية إيجاد القانون والعقاب الرادع ووضعها في طريق صنّاع وناشري الشائعات، إلا أن أهمية تلك الخطوة لا تتقدم بأي حالٍ من الأحوال على ضرورة معالجة الخلل في الثقافة المجتمعية السائدة، وذلك بإعادة تأهيلها وتحصينها ضد أي اختراقات من أي نوعٍ كانت، هنا موضع الداء الذي يستوجب الدواء. لا يمكن لنا وفق الوضع الراهن أن نُضعف من التأثير المدمر للشائعات على مكتسباتنا ومصالحنا، إذ إن طريق المواجهة الحقيقية مع هذه الأخطار له بابٌ آخر، ينطلق من إصلاح الخلل الجاثم في جسد الثقافة العامّة، وهذا يتطلب بطبيعة الحال جهوداً مكثفة وواسعة النطاق. نقطة الانطلاق تبدأ من أروقة التربية والتعليم، ثم من وسائل الإعلام والاتصال المعاصرة، مع عدم إغفال مجالسنا العامّة والخاصة، تلك أهم المنافذ المُشكِّلة للثقافة السائدة في أي مجتمع، التي يجب معالجة أي اختلالات فيها يمكن أن تُفضي إلى نشوء هشاشةٍ في آلية التفكير لدى الأفراد. أعترف بأن مناقشة وبحث القضايا أعلاه، وتشخيص مشاكلها، واقتراح الحلول والتوصيات في مساحةٍ صغيرة هنا للرأي أمرٌ أقرب إلى المستحيل. غير أنه لا يمنع من الإشارة إلى عددٍ من المحاور الرئيسة؛ ففي مجال التربية والتعليم، آن لنا إصلاح الخلل الجوهري في ذلك المجال، بإحلال آليات التربية والتعليم القائمة على تأهيل العقول الناشئة إبداعاً وفكراً وتحمّلاً للمسؤولية، وإثراءً للجوانب العلمية والمعرفية، وترسيخاً لمبادئ الحوار المسؤول وإبداء الرأي والرأي المخالف، وفتح المجال أمام النقد البنّاء المستند إلى مرجعياتٍ عقلانية غير متحيزة أو متطرفة بين المعلمـة والطالبـة. كل ذلك يُدشن كبديلٍ ناجح للتلقين والحفظ والوصاية المتزمتة على العقول الناشئة وخلافه من آليات التعليم البائدة.
أما في مجال الإعلام والاتصال، فلا بد على العاملين في هذا المجال من مواكبة التغيرات الكبيرة في العمل الإعلامي، لعل من أبرز ما يجب القيام به في هذا الشأن هو تطوير قدرات العاملين في هذا المجال، واستقطاب الكفاءات العلمية المؤهلة والمتخصصة التي تثري العمل الإعلامي مهنياً، لا أن تتقاذف به في مهاوي الردى. إذ لم يعد مقبولاً على سبيل المثال أن يتصدّى للتحرير والتحليل المالي والاقتصادي أشخاص لا يمتلكون حتى أدنى المؤهلات في تلك المجالات المتخصصة، وقسْ على ذلك بقية المجالات الأخرى في المجال الإعلامي.
نقطة الانطلاق الثانية التي يُفترض تزامن انطلاقها مع الأولى؛ تتعلق بإرساء وتطبيق مبادئ الشفافية الكاملة على المستوى الهيكلي والمعلوماتي والقانوني والإجرائي وكل ما يتعلق بالشأن العام، وترسيخها بوضوحٍ وثقةٍ في جميع تعاملاتنا وعلاقاتنا العامّة. أؤكد هنا أن أهمية توطيد تطبيق أركان هذه القضية يصل إلى أقصى درجاتها، يمكن القول معها إن أي جهودٍ إصلاحية ستُبذل في معالجة القضايا المتعلقة بالتربية والتعليم والإعلام والاتصال السالفة الذكر أعلاه، دون تحقيق تقدمٍ حقيقي على طريق الشفافية الكاملة، سيذهب بكل جهودنا وطموحاتنا أدراج الرياح! بل قد يؤدي إلى توسيع الثغرات والاختلالات بصورةٍ مفزعة في النسـيج الثقافي العام، تكون فيه "الشـائعة" بما تحمله من دمار وهلاك، المحرّك الأول والعامل الأساسي ـ بكل أسف - في تحديد القرارات والاتجاهات على المستويين الخاص والعام. وليس بعيداً عن إدراك القارئ الكريم خطورة تلك التشوهات الكبيرة على هياكل حياتنا العامّة بمختلف مستوياتها؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
أؤكد في الختام، أن محاصرة خطر الشائعات في ظل التطورات المتسارعة بصورتها الراهنة، التي أصبحت تمسُّ مصالحنا العامّة والخاصة مباشرةً؛ يمثل في حقيقته واجبا ومطلبا وطنيا تقع مسؤوليته على كل فردٍ منّا لا يُستثنى منه أحد؛ مسؤولاً كان أم فرداً، وأن أي تأخير أو تباطؤ في هذا الخصوص، يعني تماماً أننا نُفسح الطريق لكرات الثلج المدمرة لتطبق على سماء وأرض مجتمعنا بالفساد والهلاك، فماذا نحن فاعلون؟! والله من وراء القصد.
عبد الحميد العمري
عضو جمعية الاقتصاد السعودية